تصنيف: أجنحة مخملية

هذيان

 

كانت تعلم أن قلبه ماكان لها يوما , بل كان لتلك التي حسر الكون في عينيها ,
رغم ذلك أحبته , هو أيضا أحبها , أحب دفء يديها تمسح دمعه ,أحب صدرها 
الذي كان يحتويه كصدر أمه , يغفو عليه , يزيل وحشة الشوق في قلبه لتلك 
الأخرى , لم تتذمر , لم تعلن الثورة , كانت تفتح قلبها ليلقي فيه تعب 
السنين , كم مرة نعتها بالجنون , وكم مرة أخبرته أن الحب جنون , 
أخبرته ذات لقاء , ضج قلبه شوقا لتلك الساكنة أعماقه , لو أنها تهبها 
ماتبقى من عمرها ليطول به فرح اللقاء ,
قال لها : أحبك ,, قالت له : لن تحبني يوما بقدر ماأحبك ,, يكفيني أن أراك 
بأسعد حال , يكفيني أنك غفوت يوما على صدري , بحت لي بحب ما سمعت عنه في 
الأكوان , 
صمت , دفن نفسه في أحضانها , غفا , عله يركب أحد أحلامها , فينعم بذلك 
اللقاء ,
ضمته أكثر , أغمضت عيناها ,, رسمت له أجمل الأحلام ,,,,

تميمة ( ق. ق. ج)

تميمة
******
علا صوت صافرة القطار معلنة عن بداية رحلة انتظرها طويلا , شوق دفين لقريته الصغيرة , جلست أمامه تشق عناء المسافة بابتسامتها , وحديث عذب تمنى ألا ينتهي , لتبدأ معه قصة حب قتلت في المهد حين تراقصت تميمة العذراء في عنقها ..

شيء من بوح(٢)

وذئب الزمان ينهش روحك
وروحي بها
فيا ويل روحينا مما أصابها
وقد ظننت بأنها صبابة
ولم أعلم بأنه الحزن
من فرق شملنا
يا هواي قل للهوى
أن يأتي لي منك بنبضة
تحيي القلب
فإنه حين غادرته قد هوى
وما أراك قد غادرته لحظة
بل تصنّع الموت ليوم اللقا

شيء من بوح

في الكتابة، نحن نعيش عالم آخر، وإن كان الألم أحد سطوره، هي حروف نزفناها بعد أن تشبعت الشرايين بذاكرة قديمة، قدم آدم وحواء،ذاكرة لم تعد تتسع للمزيد، فخرجت حروفًا تسافر مع السحاب، تجوب السماء بلا قيود، تسير حتى تصيبها الريح، فتمطر على القلوب، لتسكن داخلنا من جديد.

أراها تشبه دورة الحياة، لا تنتهي إلا بعد الصرخة الأولى في البوق.

حب في الغربة

بتثاقل فتحت أجفاني ليأتيني صوته : - أرجوك سامحيني !!
ابتسمت من خلف قناع الأوكسجين الذي كان يكمم فمي وهمست :- كنت سأسامحك لو كانت الضربة قاضية ..
عدت بعدها لإغلاق عيناي من جديد دون أن أدري إن كان قد سمعني أم لا .
بعد أسابيع بدأت أتماثل للشفاء , على الرغم من وجود بعض الجبائر على أطرافي التي تكسرت يوم صدمني ذلك الغريب حين كنت أسير على غير هدى بعد أن تلقيت ورقة الطلاق لزواج دام خمسة أعوام من رجل اقتلعني من تراب وطني , ليلقي بي وسط أشواك الغربة الدامية .
حاول كلا منا الوصول للآخر دون جدوى .
كان هو شرقي أضاع هويته في محاولة لمجاراة مجتمع منفتح , وكم أخطأ حين ظن أن الإنفتاح كأس خمر . وغرق في أحضان الغانيات.
وكنت أنا شرقية متخلفة على حد قوله .لذا كان لابد لنا من الفراق .
اليوم قرر الطبيب أني أصبحت بحالة جيدة تسمح لي بالخروج من المستشفى . جلست على طرف السرير بعد أن ارتديت ملابسي . تساءلت : إلى أين سيأخذني الطريق وأنا غريبة هنا .
خمسة أعوام لم أقم فيها علاقة مع أحد . كانت أزهار الليلك المزروعة في شرفتي هي صديقتي الوحيدة , أما الباقون فقد كانوا يشبهونه تماما ..
أيقظتني من حيرتي وشجوني طرقات خفيفة على الباب , التفت وإذا به ذلك الغريب واقفا بأناقة ملفتة , حاملا بيده باقة من الأزهار الجميلة . والحقيقة دائما ما سحرني الورد وأخذتني رائحته حيث النقاء وسط عالم ما وجدت فيه سوى رائحة الدخان الممزوجة بمرار كؤوس الخمر العفنة .
استقبلته بابتسامة ممتنة . فقد كان العربي الوحيد الذي ظل يزورني كل يوم منذ دخولي المشفى .
ربما هذا أمر طبيعي , وهو الذي تسبب في هذا الحادث , حتى يزيح عن كاهله شعوره بالذنب.
عرض علي أن يقلني إلى حيث أشاء . والحقيقة أني لم أملك مكانا ألجأ إليه , فلذت بالصمت لبعض الوقت , وكان كمن أدرك ما وراء صمتي ,فربت على كتفي مطمئنا إياي . عارضا علي الإقامة في شقة صغيرة يمتلكها على بعد شارعين من المشفى . إلى حين تدبر أمري .
وافقت دون تردد وتذكرت عبارة كان يرددها زوجي , أقصد طليقي - في بلاد الإنفتاح لن تخشى من الألسن والعيون المتلصصة مهما فعلت ..
سارت بنا السيارة دون أن نتكلم , لقد كنت أخشى أن يمطرني بأسئلة لا تنتهي , ولم تكن لدي رغبة في الحديث . أو أن سنوات غربتي علمتني الصمت إلا قليلا .
في الغربة نعتاد الوحدة . ففيها غرباء نحن حتى عن أنفسنا , لانجد فيها مايشبهنا سوى وحدتنا , وحدها تفهم مشاعرنا وتحترمها ..
وصلنا للشقة عند الغروب تقريبا , ظننت بأنه سيبقى معي لبعض الوقت , لكنه ناولني المفتاح , وكارت أنيق كما هو , فيه اسمه ورقم هاتفه في حين احتجت إلى شيء .
راقني تصرفه , شرقي نبيل , كدت أن أنسى وجوده في هذا العالم الغريب .
كان المكان دافئا , تنشقت فيه رائحة النظافة للمرة الأولى منذ أعوام .
ظل يزورني كل صباح , حتى صارت رؤيته أشهى من فنجان قهوة في أيام الشتاء الباردة .
كان في نهاية عقده الرابع . أنيق جدا , ترمل ذات صيف قائظ , ابتلعته الغربة منذ زمن بعيد . تاركا أبناءه في رعاية جدتهم التي فجعها موت ابنتها شابة ,لكنه لم يسمح للغربة أن تغير من هويته الشرقية كما فعلت مع الآخرين .
حدثني عنه طويلا حتى أنساني قسوة غربتي وما مررت به , وصار هو وطني .
أجل .. لقد وقعت في حب ذلك الغريب , شعرت كأني أعيش الحب للمرة الأولى ,
وقور هو رغم سحر ابتسامته الطفولية .
وفي كل يوم يمضي كنت أغرق به أكثر , كان رجلا باذخ العطاء , عطاء الحب ما قصدت الذي صار نادرا في زمننا .
وكم تمنيت لو قبلني على حين غفلة , لكنه لم يفعلها يوما , دائما ما كان يقول لي : سأغرقك قبلا حين نعود للوطن وأخبر العالم كله أنك حبيبتي .
عام مضى وأنا في شوق لتلك اللحظة التي تطأ فيها أقدامي تراب بلادي , أن أتوج ملكة على قلبه أمام الجميع .
لكن شعورا غريبا كان يراودني كلما اقترب ذلك اليوم , حتى أني ذات صباح أخبرته أني أخاف ركوب الطائرة خشية الوقوع بنا .
ضحك يومها قائلا لي :- لقد أفسدت الأفلام عقلك .
بادلته ضحكة لأخفي خلفها خوفا ما فتيء ينهشني . جلست قربه في الطائرة دون أن أترك يده لحظة , رجوته في سري أن يقبلني قبل أن يغشانا الموت . لكنه كان يكتفي بالضغط على كفي . وكأنه من جديد يسمع صمتي .
كانت يده تبعث السلام للحظات في روحي التي أرهقتها ساعات ترقب الوصول .
حطت الطائرة بأمان . فابتسم لي بسخرية قائلا :- لم تسقط الطائرة ولم نفارق الحياة , ثم همس : غدا ستكونين زوجتي ..
أصابتني رعشة سرت في جسدي كله . حاولت مرارا إزالة ذلك الشعور مني , لكنه لعين لا يرحل لحظة .
أفلت يدي فجأة ليعانق أبناءه الذين كانوا بانتظاره لأعوام . فأسرعت الخطى خلفه كما طفلة تخشى فقد أبيها وسط الزحام .
وقف ; ووقفت خلفه بصمت أنتظر لحظة إعلانه حبي أمامهم . لكنه لم يلتفت إلي , صبرت نفسي بأنه يشتاقهم بعد غياب طويل , ولابد لي أن أقدر ذلك . جلست على مقعد قريب بعد أن شعرت بقواي تخور , وذلك الشعور الكريه يراودني من جديد .
بعد انتظار شعرت كأنه دهرا , ناديته ; لكنه لم يسمع , اقتربت منه محاولة الإمساك بيده , لكنه لم يشعر بوجودي ,
مضى تاركا إياي وحيدة على أرض كانت ذات يوم أرضي .
كانت الأسئلة تلاطمني كما الأمواج العاتية : ما الذي حدث؟؟
كيف لم يرني أو يسمعني أناديه؟؟
لماذا رحل دون أن يأخذ يدي ؟.
كنت أشتم رائحة الموت حولي , وأرى أشباح تتراكض حولي صارخة: - إننا نفقدها , ابتعدوا ,,
شعرت بجسدي ينتفض بقوة . لكن الأصوات تعود للصراخ : إننا نفقدها , نبضات القلب تذوي .
فتحت عيناي بصعوبة لأراه خلف الزجاج . وأنا ما زلت ممددة على ذلك السرير الذي غادرته منذ عام . كان ينظر إلي بهلع , سمعت صوته من خلف النافذة يقول :- أرجوك سامحيني !!
أدركت حينها أن كل ما كان مجرد هذيان غيبوبة . فابتسمت له هامسة : شكرا لانها كانت قاضية !!
وعدت لإغلاق عيناي من جديد , دون أن أدري إن كان سمعني أم لا ....